الراغب الأصفهاني
259
الذريعة إلى مكارم الشريعة
كراهية الجدال للعوام وذمه على كل حال إباحة تعاطي الجدال للعامة الذين لم يتدربوا في تحصيل القوانين ، ولم يتهذبوا في سبيل البراهين يجري مجرى حل قيد الشياطين ورفع سد « 1 » يأجوج ومأجوج فإنه يثير سلطان قوتهم السبعية منخلعة « 2 » من يد قائد العقل وقيد الشرع ، فالجدال مكروه للعلماء الألباء « 3 » فكيف للجهال الأغبياء ألا ترى أنه تعالى قال لنبيه عليه السّلام : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ « 4 » فلم يطلق له جدال مخالفيه حتى قيده بالأحسن هنا مع وصفه عليه السّلام بقوله تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ « 5 » وقال تعالى في ذم الجدال ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا « 6 » وقال : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ « 7 » وقال : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ « 8 » . وللجدال مع كونه مكروها شرائط وقوانين فمن تعطاه ولم يكن متدربا فيها كان خصيما جدلا والخصومة عديمة الفائدة قليلة العائدة فإن الجدال مع ما فيه قد يوقظ الفهم ويثير الأنفة لاقتباس العلم ، والخصومة لا تثمر إلا العداوة
--> ( 1 ) « سد » سقطت من ط مع أهميتها . ( 2 ) « فإنها شؤون سلطان قوتهم السبعية خالفة من يد قائد العقل » هي هكذا في ط والاضطراب فيها واضح ، تأمل « شؤون » وخالفة ، وما يؤديانه في هذا السياق . ولعل الأصح ما هنا . ( 3 ) في ط « الأولياء » ولكن الأغبياء وصف الجهال ترشح أنها « الألباء » . ( 4 ) النحل / 125 . ( 5 ) القلم / 4 . ( 6 ) الزخرف / 58 . ( 7 ) الحج / 8 . ( 8 ) الأنعام / 68 .